الشيخ محمد النهاوندي
563
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وقيل : إن الاستثناء منقطع ، والمعنى ولكن من ظلم نفسه من المرسلين بارتكاب ما هو ذنب بالنسبة إليه من الترك للأولى ، كآدم الذي قال : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا « 1 » وداود ، وسليمان ، وموسى حيث قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي « 2 » وإنّما حسن هذا الاستثناء للتعريض بما وجد من موسى عليه السّلام من قتل القبطي بغير إذن من اللّه ، أو للاعلان بسعة رحمته للمذنبين . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 12 إلى 14 ] وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 12 ) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 ) ثمّ أراه المعجزة الأخرى بقوله : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ قيل : لم يقل في كمّك ؛ لأنّه كان عليه جبّة صغيرة من صوف لا كمّ لها ، كان يلبسها بدل القميص « 3 » ، فامر بإدخال يده فيها ، ثمّ كأنه قال : فان أدخلت يدك فيها تَخْرُجْ منها حال كونها بَيْضاءَ براقة لها شعاع كشعاع الشمس مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وآفة فيها من برص ونحوه . عن الصادق عليه السّلام قال : « من غير برص » « 4 » . فهذان الآيتان فِي جملة تِسْعِ آياتٍ التي أعطيكها ، وقيل : إنّ كلمة ( في ) بمعنى ( مع ) « 5 » والمعنى : اذهب مع تسع آيات معهودة من العصا ، واليد البيضاء ، والجدب ، والطّوفان ، والجراد ، والقمّل ، والضفادع ، والدم ، والطّمس إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ القبطيين داعيا لهم إلى توحيدي وطاعتي إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ وخارجين عن الحدّ في الكفر والطّغيان . ثمّ بيّن سبحانه كثرة شقاوتهم بقوله : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ توسّط موسى عليه السّلام آياتُنا التسع حال كونها مُبْصِرَةً مستنيرة واضحة الدلالة مفرطة في الإنارة ووضوح الدلالة بحيث كادت أن تبصر نفسها لو كانت قابلة للإبصار قالُوا عنادا وشقاقا : هذا الذي جاء به موسى سِحْرٌ مُبِينٌ وشعبذة ظاهرة لكلّ أحد وَجَحَدُوا بِها وأنكروا كونها آيات إلهية ومعجزات باهرة بألسنتهم وَ الحال أنّه قد اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ وعرفوا إعجازها بقلوبهم ، وإنما كان جحودهم بها
--> ( 1 ) . الأعراف : 7 / 23 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 6 : 323 ، والآية من سورة القصص : 28 / 16 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 324 . ( 4 ) . معاني الأخبار : 173 / 1 ، تفسير الصافي 4 : 59 . ( 5 ) . مجمع البيان 7 : 332 .